ابن الجوزي
20
كتاب ذم الهوى
يعيش به بين الناس ، قال : فإن عدم ذلك ؟ قال : صاعقة تحرقه ! » . وقال بعض العلماء : لما أهبط اللّه آدم إلى الأرض أتاه جبريل بثلاثة أشياء : الدين ، والعقل ، وحسن الخلق . فقال : إنّ اللّه يخيرك واحدا من هذه الثلاثة ، فقال : يا جبريل ما رأيت أحسن من هؤلاء إلا في الجنة ، فمدّ يده إلى العقل ، فضمه إلى نفسه ، فقال لذينك : اصعدا . قالا : لا نفعل . قال : أتعصياني ؟ قالا : لا نعصيك ، ولكنّا أمرنا أن نكون مع العقل حيثما كان . فصارت الثلاثة إلى آدم . وقال وهب بن منبه : إني وجدت في بعض ما أنزل اللّه على أنبيائه أنّ الشيطان لم يكابد شيئا أشدّ عليه من مؤمن عاقل ، وأنه يكابد مئة جاهل فيستجرّهم حتى يركب رقابهم ، فينقادون له حيث شاء ، ويكابد المؤمن العاقل فيصعب عليه حتى ما ينال منه شيئا من حاجته . قال وهب : ولإزالة الجبل صخرة صخرة ، وحجرا حجرا ، أشدّ على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل ، فإذا لم يقدر عليه تحوّل إلى الجاهل فيستأسره ويستمكن من قياده ، حتى يسلمه إلى الفضائح التي يتعجّل بها في الدنيا الجلد والحلق وتسخيم الوجه والقطع والرجم والصلب . وإنّ الرجلين يستويان في أعمال البر ، ويكون بينهما كما بين المشرق والمغرب أو أبعد ، إذا كان أحدهما أعقل من الآخر ، وما عبد اللّه بشيء أفضل من العقل . وقال معاذ بن جبل : لو أنّ العاقل أمسى وأصبح وله ذنوب بعدد الرمل ، كان وشيكا بالنجاة والسلامة والتخلص منها ، ولو أن الجاهل أمسى وأصبح وله من الحسنات وأعمال البر عدد الرمل لكان وشيكا ألا يسلم له منها مثقال ذرة . قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لأنّ العاقل إذا زلّ تدارك ذلك بالتوبة والعقل الذي قسم له ، والجاهل إنما هو بمنزلة الذي يبني ويهدم ، فيأتيه من جهله ، ما يفسد صالح عمله .